الإمارات .. الثراء حين يتحوَّل لعنة

متابعات
2019-09-08 | منذ 2 شهر    قراءة: 186

بالقرب من الامارت؛ ثمة دولة اسمها الكويت، تحضر في الوجدان اليمني والضمير العالمي كأنموذج في العطاء والتسامح والإنسانية .. بإحدى يديها تكفكف دموع اليتامي والمحرومين وبالأخرى تشيد صروحا للتنمية وتقدم المساعدات بلا ضجيج ودون منّ ولا أذى

في العام 1990م شهدت غدر الشقيق والصديق، وتلقت عدد من الطعنات المميتة.. وبعد التعافي والاستقلال لم تبق أسيرة الكربلائية والرغبة بالانتقام، لم تفكر بخلق وتغذية مليشيا عابرة للحدود، ولا خوض هواية تمزيق الدول، وهدم المعبد فوق رؤوس الجميع. ولو فعلت يومئذ لربما اُلتمِس لها العذر؛ كونها ما تزال مسكونة بأوجاع الماضي، لم تبارحها ذكرى طعنات الأصدقاء الأعدقاء ..

لكنها فطنت الى ان استجرار الماضي ليس ورقة العبور نحو المستقبل، لأن كبير القوم لا يحمل الحقدا .. انطلقت الى الأمام من فوق ركام المحنة كما لو لم يمسسها سوء، ونأت بنفسها عن لعبة ولعنة الانخراط في المحاور والأحلاف المدمِّرة، تمسكت بمواقفها الصلبة تجاه القضية الفلسطينية، وحافظت على علاقة طيبة مع الجميع، وواصلت تقديم المعونات الخيرية للبلدان الفقيرة.

وداخليا .. قامت بترميم الأوجاع وسارعت الخطى نحو التنمية والدمقرطة؛ وهي اليوم تنعم بمناخ ديمقراطي مزدهر، وتشهد تحولات عاصفة في التعدد السياسي والتعايش الاجتماعي والفكري بين جميع مكونات البلد، حيث يتعايش السلفي مع الاخواني والمحافظ مع الليبرالي والسني مع الشيعي والإسلامي مع العلماني !

لو وعى حكام أبو ظبي هذا الدرس لما أعمدوا خناجرهم في الجسد العربي – واليمني تحديدًا – المثخن بالجراح؛ فما الذي صنعه اليمن بدولة فاخر حكامها بأصولهم اليمنية ؟ ولماذا كل ما اقترب اليمن من تلجيم انقلاب الحوثي تلقى ظهره الطعنات الغادرة من الحليف الذي ادّعى انه جاء لنجدته، ولمَ هذا الاندفاع المجنون وتوريط الامارات في أزمات إقليمية ودولية ؟

يعاني محمد بن زايد – شخصيًا – من ازمة الشرعية، فهو لم يأت سلطة الحكم من أبوابها؛ وهذا سرّ موقفه العدائي تجاه الشرعيات في كل البلدان التي تشهد صراعا، استخدم كل المكائد حتى تمكن من الإمساك بمقاليد الحكم وبزمام السياسة الخارجية؛ جرَّد الرئيس الشرعي( مجازا) – خليفة – من كل الصلاحيات، وقلّم أظافر حاكم دبي محمد بن راشد الذي رغم فساده ومساوئه لطالما جاهر بتحفظه ازاء سياسات محمد بن زايد في معاداة شعوب المنطقة والإسلام السياسي.

ليست حماقات محمد بن زايد وليدة اللحظة؛ فقبل اعوام حرَّض جنرالات امريكان لضرب قناة الجزيرة في اثناء الحرب على أفغانستان، وتحرش بالسعودية ومارس معها سياسة الضرب تحت الحزام، حيث كشفت وثائق ويكليكس – وقتها – عن وصفه للشعب السعودي امام الامريكان: بالشعب الجاهل والمتخلف، وقال ان المرأة لا تقود السيارة رغم انها تمثل نصف سكان المملكة، ونعَت الراحل الأمير نائف بالقرد الذي صدقت عليه نظرية داروين !

مع أن امارة أبو ظبي تنام فوق بحيرة نفط، وتملك ثاني اكبر الصناديق السيادية في العالم؛ تعاني امارة دبي تأثيرات وارتدادات ازمة الرهون العقارية التي ضربت أمريكا في العام 2008م وفاقت ديون دبي وقتها اربع مرات ميزانية الامارات للعام 2015م، وتعيش امارات الشمال الخمس حالة من تهالُك البنى التحتية ورداءة الخدمات والفقر والبطالة، ويشعر أبناؤها بالتهميش وبالتعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثانية. أما جغرافيا فتحتل ايران ثلاث جزر إماراتية.

وديموغرافيا بحسب الكاتب التونسي سامي الجلول مؤلف كتاب ” الامارات .. ما قبل الكارثة خفايا وأسرار ” ؛ فإن الاماراتي يشعر بالاغتراب في بلده اذ تمثل نسبة الأجانب 90% من اجمالي سكان البلد، والاقتصاد الاماراتي هشّ ومعظم الوكالات والقطاعات التجارية بأيدي التجار الهنود والإيرانيين، والعمالة الاجنبية تؤثر على المشهد السكاني واذابة ما تبقى من الاماراتيين. وأصحاب رؤوس الأموال يتمتعون بسطوة اقتصادية، ويكتسبون النفوذ عبر نسج علاقات نافذة مع كبار مسؤولي الدولة. فأكبر عشرة اغنياء في الامارات هنود، يستحوذون على أسواق الجملة والتجزئة. ولا يمكن لتاجر اماراتي المنافسة معهم الا بمشاركتهم؛ ليبدو الأمر اشبه ما يكون بالتبعية او الاحتلال الاقتصادي، ناهيك عن سجل الامارات الأسود في ملف حقوق الانسان والفساد الماحق وتفشي تجارة الدعارة والبغاء العلني.

فوق هذه المآسي يعوم القذافي بنسخته الإماراتية ( محمد بن زايد) مواصلا تبديد الثروة وتحت تأثير الإصابة بالاسلاموفوبيا يورِّط الامارات في أزمات شتى، من دعم الانقلابات والمحاولات الانقلابية في مصر وقطر وتركيا الى تغذية التمردات كحفتر في ليبيا والحوثيين في اليمن قبل عاصفة الحزم وصولا الى زعزعة استقرار عدد من الدول كالصومال ومالي وافريقيا الوسطى؛ ففي الأخيرة حاربت الامارات اول رئيس مسلم وصل سدة الحكم حتى نجحت في دفعه الى الاستقالة !

وفي 2015م عادت الى اليمن- تحت يافطة مكافحة المد الإيراني واستعادة الشرعية- لتحارب الشرعية، وتنشئ الأقبية والسجون السرية سيئة السمعة، وتدعم المليشيا وتستحوذ بقوة السلاح على الموانئ والجزر اليمنية.

من فائض النفط والثروة التي توافرت لديه؛ تلبس بن زايد جنون العظمة ونسج خياله المريض أحلاما امبراطورية، وتوهم ان بمقدوره إعادة رسم خرائط البلدان وتقرير مصائر الشعوب، وقدَّر أن ما لم يستطع صنعه امبراطور الرومان يوليوس قيصر ؛ سيحققه هو بالاستناد الى تصريحات ورفلَّي اليمن هاني بن بريك.

برهنت معركة شبوة عن هشاشة بيادق الامارات من مرتزقة و انتقالي ونخبة وأحزمة وسلفية جامية وبقايا عفاش؛ إذ لم تصمد كل هذه القوى ساعات من نهار أمام زحف طلائع يسيرة للجيش الوطني، وهال بن زايد وهو يرى ان كل ما بناه طوال اربع سنوات في جنوب اليمن تبخّر في أيام .. وهذا ما يفسر السعار الاماراتي والاندفاع المجنون وصولا الى القصف الجوي للجيش الوطني واستمرار ارسال التعزيزات والدعم العسكري صوب عدن وابين.

ربما يلِغ بن زايد أكثر في دماء اليمنيين ويتورط أكثر في مستنقع الحرب؛ غير ان الحقيقة التي لاريب فيها أن مشروعه سيؤول الى الفشل .. فما قالته الصورة – له – عن معارك شبوة؛ هو : ان اليمن عصيّ على الهضم والابتلاع، وأن أحفاد حمير اقدر على اجتراح انتصارات كالتي حققها اجدادهم قبل مئات السنين.

وربما لن يجد بن زايد ما يبرر لشعبة عن هزيمة الامارات أخلاقيا وعسكريا في اليمن سوى تقديم كبش فداء؛ وربما تنتظر الزبيدي وبن بريك نهاية كنهاية الوزير صالح النبطي مرشد ودليل الحملة الرومانية الى اليمن، الذي أعدمته حملة الرومان بتهمة التضليل، أي الخيانة بلغة اليوم !